هذا المقال يأتي ضمن سلسلة من أربعة أجزاء نشرها معهد الشرق الأوسط بالتعاون مع الباروميتر العربي لتحليل نتائج الدورة السادسة من استطلاعات الباروميتر العربي.

ترسم نتائج استطلاع الباروميتر العربي للجزائر صورة لسكان لديهم مخاوفهم المفهومة بشأن جائحة COVID-19 وآثارها الاقتصادية. في الدراسات الاستقصائية التي أجريت في البلاد في الفترة من أغسطس/آب 2020 إلى أبريل/نيسان 2021، ظهر باستمرار أن انتشار الفيروس وحالة الاقتصاد والأعمال هما أكبر تحديين في المستقبل، مع ارتفاع المخاوف الاقتصادية إلى المركز الأول وتجاوز الوضع الصحي خلال هذه الفترة. وبسبب انتشار المتحور الدلتا، تكافح الجزائر العاصمة لاحتواء انتقال الفيروس. وقد تصاعدت حالات الإصابة والوفيات الجديدة بسرعة بين شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب 2021، مما دفع نظام الرعاية الصحية إلى حافة الانهيار.

قبل أزمة الصيف التي أحدثها متحور دلتا، بدا الجزائريون، رغم قلقهم بشأن الفيروس، واثقين إلى حد ما في قدرة بلادهم على تحمل الجائحة. في أبريل/نيسان 2021، لم يكن المشاركون قلقين بشكل خاص بشأن قدرة مستشفياتهم على التعامل مع الأزمة. 14٪ فقط من المستجيبين كانوا منشغلين بنظام الرعاية الصحية الخاص بهم، في حين كان 43٪ قلقين من خطر إصابة أحد أفراد الأسرة بالمرض و18٪ كانوا قلقين من عدم اتباع مواطنين آخرين لتوصيات الحكومة.

التطعيمات وقيود الصحة العامة

حملة التطعيم الجزائرية، والتي صنفها صندوق النقد الدولي في تقريره حول آفاق الاقتصاد الإقليمي في أبريل/نيسان 2021 على أنها "مُلقِح بطيء"، بدا أداؤها متدنيًا. في أوائل سبتمبر/أيلول، مع تلقيح 3 ملايين شخص فقط بالكامل من إجمالي عدد السكان البالغ حوالي 45 مليونًا، أعلنت الحكومة إطلاق جهود تطعيم كبيرة بهدف الوصول إلى 70٪ من الجزائريين. كما تدرس السلطات تقديم شهادة تطعيم إلزامية لبعض فئات الأفراد.

تسلط نتائج استطلاع الباروميتر العربي في أبريل/نيسان 2021 الضوء أيضًا على التردد الواسع النطاق بشأن اللقاحات في الفترة التي سبقت اندلاع متحور دلتا. إذ اعتبر 45٪ من المستجيبين أنه من غير المحتمل للغاية أن يحصلوا على لقاح إذا كان متاحًا مجانًا، بينما اعتقد 8٪ أنه "غير مرجح إلى حد ما". عند سؤالهم عن تفضيلهم بين اللقاحات المتاحة، كان الجزائريون أكثر ثقة (34٪) في اللقاحات روسية الصنع مقارنة باللقاحات الأمريكية الصنع (12٪)، بينما رفض 21٪ جميع الخيارات المتاحة.

على مدار عامي 2020 و2021، فرضت السلطات سلسلة من القيود في محاولات مختلفة لإبطاء وتيرة انتقال الفيروس. غالبًا ما أثرت هذه القيود على حرية الحركة والنشاط التجاري، على سبيل المثال من خلال حظر التجول ومواعيد الإغلاق الإلزامية. وقد أثرت هذه الإجراءات بشكل غير متناسب على العمال ذوي الأجور المنخفضة والعاملين في القطاع غير الرسمي، وكثير منهم مقيد في أنشطتهم اليومية وفقدوا جزءًا على الأقل من دخلهم. تسلط دراسة الباروميتر العربي الضوء على قلق العديد من الجزائريين من الأثر غير المتكافئ لهذه السياسات. في أبريل/نيسان 2021، اعتقد 59٪ من المستجيبين أن الأزمة الصحية كان لها آثار أسوأ على المواطنين الأفقر و55٪ اعتقدوا أن المهاجرين تأثروا بشكل خاص.

التوقعات الاقتصادية

بالإضافة إلى تأثيرها على هذه الشرائح الضعيفة من السكان، كذلك أثرَّت الجائحة والقيود الحكومية على توقعات الاقتصاد الكلي. وفقًا لصندوق النقد الدولي، سجلت الجزائر انكماشًا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.6٪ في عام 2020. وبسعر نفطي متعادل لميزانيتها البالغ 90 دولارًا ولحسابها الجاري البالغ 78 دولارًا، سجلت عجزًا ماليًا بنسبة 12.7٪ وعجزًا خارجيًا بنسبة 10.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، حيث كانت أسعار النفط أقل بكثير من هذه الأهداف المالية. في المقابل، تسببت أوجه النقص هذه في انخفاض سعر الصرف بشكل مطرد منذ مارس/أذار 2020. وقد ترتب على انخفاض سعر الدينار الجزائري حدوث ارتفاع حاد في أسعار السلع المستوردة، وهو تغيير متوقع في بلد يستورد فعليًا جميع السلع التي تستهلك.

مما لا يثير الدهشة، في استطلاع أبريل 2021/نيسان، أن 42٪ من المستجيبين قيَّموا أن الوضع الاقتصادي كان "سيئًا"، و21٪ يعتقدون أنه "سيئ للغاية". فيما أشار عدد كبير من الجزائريين (32٪) إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة كان أكبر مخاوفهم المتعلقة بـ COVID-19، واعتبرته مجموعة أخرى (22٪) ثاني أكبر مخاوفهم. كما أدت قيود الميزانية إلى عدم قدرة الحكومة على تقديم دعم مالي كافٍ للسكان. على هذه الخلفية، قال 90٪ من المشاركين إنهم لم يتلقوا أي مساعدة من الحكومة خلال أزمة COVID-19، واشتكى 20٪ من أنهم قلقون في كثير من الأحيان من نفاد الأموال لشراء الطعام و18٪ قالوا إنهم في بعض الأحيان كانت لديهم هذه المخاوف.

خلال الأشهر الماضية، كشفت الحكومة الجزائرية عن عدة مبادرات لمحاولة إنعاش الأوضاع الاقتصادية القاتمة في البلاد. في أواخر أغسطس/آب، قدمت خطة عمل تركز على الزراعة والطاقة المتجددة والأدوية والسياحة، بهدف تحسين ظروف العمل وتبسيط القواعد للمستثمرين في هذه القطاعات. ومن بين الأهداف الأخرى التي اشتملتها كان هدف تحسين التنمية البشرية، وعلى وجه الخصوص، جودة التعليم والبحث. غير أن وسائل الإعلام المحلية والاقتصاديين انتقدوا البرنامج بأكمله لكونه غامضًا للغاية ويفتقر إلى أهداف محددة. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت الإدارة الرئاسية في أوائل سبتمبر/أيلول سلسلة من القيود على الواردات، في محاولة لاحتواء عجز الحساب الجاري وتقليل الضغط على سعر الصرف. غير أنه من المرجح أيضًا أن تؤدي هذه الإجراءات إلى نقص الوقود وتضخم سعره.

نظرة على المستقبل

على الرغم من أن الصورة الحالية ليست وردية، إلا أن الباروميتر العربي استطلاع إظهار أنه على الأقل حتى عدة أشهر مضت، ظل الجزائريون متفائلين بحذر بشأن الظروف الاقتصادية المستقبلية. في أبريل/نيسان 2021، اعتقد 23٪ أن الأوضاع ستكون أفضل بكثير في العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة، بينما توقع 23٪ آخرون أن يتحسن الاقتصاد إلى حد ما (مقارنة بـ 19٪ اعتقدوا أن الأمور ستزداد سوءًا و12٪ توقعوا تراجعًا طفيفًا). أشار 34٪ من المستجيبين إلى أنه يجب على الحكومة إعطاء الأولوية لخلق المزيد من فرص العمل، يليهم 21٪ سلطوا الضوء على إصلاح التعليم باعتباره مصدر قلق.

بشكل عام، تؤكد نتائج الاستطلاع أن الجزائريين قلقون من الوباء وتأثيره الاجتماعي والاقتصادي، لا سيما فيما يتعلق بالفئات الضعيفة، مثل المواطنين الأفقر والمهاجرين، حتى مع احتفاظهم ببعض التفاؤل بالمستقبل. وتسلط الدراسة الضوء أيضًا على أن أكبر التحديات التي تواجه الحكومة في الأشهر المقبلة من المرجح أن يكون هو كيفية تعاملها مع التردد في الحصول على اللقاح، مما قد يعيق أي انتعاش اقتصادي في المستقبل، ويحول دون استعادة تنشيط النشاط التجاري وخلق فرص العمل واحتواء التضخم.

ريكاردو فابيني هو مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية. الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب.