هذا المقال يأتي ضمن سلسلة من أربعة أجزاء نشرها معهد الشرق الأوسط بالتعاون مع الباروميتر العربي لتحليل نتائج الدورة السادسة من استطلاعات الباروميتر العربي.

في السنوات الأخيرة، عززت الصين وروسيا نفوذهما تدريجيًا في المنطقة المغاربية. تلك القوتان، الوافدتان الجدد نسبيًا على المشهد الإقليمي مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة، تعملان على بناء علاقات تجارية وأمنية ودبلوماسية أقوى مع بلدان المغرب العربي مثل المغرب والجزائر وتونس. غير أن هذه العلاقات لم تُتَرجَم بعد إلى موافقة أو دعم شعبي كبير نحوها.

استخدمت روسيا، وهي حليف تاريخي للجزائر، وكذلك الصين دبلوماسية اللقاحات خلال الجائحة لمحاولة اكتساب المزيد من المشاعر العامة الإيجابية، لا سيما بالمقارنة مع حلفاء المنطقة التقليديين والولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن شعبية هذه الجهات الفاعلة الجديدة والمنظور الإيجابي نحوها لا يزال منخفضًا نسبيًا، بما يتوافق مع انخفاض تفضيل جميع الجهات الخارجية الأخرى - بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة. فبالنسبة لمنطقة متنوعة وديناميكية، تظهر النتائج باستمرار القليل من الاهتمام بالدور الذي تلعبه الجهات الخارجية. وبينما قد تكون الحكومات مهتمة بتوسيع العلاقات الاقتصادية والأمنية في جميع أنحاء العالم، يركز سكان المنطقة إلى حد كبير على الديناميكيات المحلية، مما يشير أيضًا إلى أنهم يرون حلول مشاكلهم على أنها داخلية إلى حد كبير.

الصين وروسيا

سعت الصين وروسيا إلى استخدام دبلوماسية اللقاحات لزيادة انتشارهما ونفوذهما في المغرب والجزائر وتونس. لقد كان لقاحا سينوفارم الصيني والروسي سبوتنيك ضروريين لمساعدة الجزائر وتونس في ضمان المزيد من التلقيح لسكانهما. حيث كافحت كلا البلدين لإطلاق حملات تطعيم واسعة النطاق، ومعظم اللقاحات التي كانا قادرين على الحصول عليها في البداية (والتي لم تبدأ في التنفيذ حتى عام 2021) كانت سينوفارم وسبوتنيك. في صيف 2020، وعد الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال مكالمة مع العاهل المغربي الملك محمد السادس بإعطاء الأولوية لتوفير اللقاحات للدول النامية. كما قدمت روسيا وعودًا طموحة من جانبها.

في صيف عام 2021، من خلال مبادرة COVAX العالمية، تمكنت الجزائر وتونس من تأمين لقاحات أخرى، بما في ذلك أسترازينيكا ولقاح فايزر. غير أنه، أثناء ذروة نقص اللقاحات، كان باستطاعة الجزائر وتونس الاعتماد في الغالب على اللقاحات الروسية والصينية، على التوالي. وعلى الرغم من أن المغرب كان قادرًا على بدء حملة التطعيم في وقت سابق بالاعتماد على لقاحات استرازينيكا من خلال علاقته القوية مع المنتجين الأوروبيين، إلا أنه لا يزال يعتمد بشكل كبير على لقاح سينوفارم هو الآخر.

بيد أن، وعلى الرغم من هذه الجهود، فإن الوافدين الجدد إلى المشهد المغاربي لم يحظا بتأييد واسع أو ساحق مقارنة بالجهات الفاعلة الأخرى. وفقًا لاستطلاع الباروميتر العربي الذي أجري في أكتوبر/تشرين الأول 2020، كان لدى 60٪ من الجزائريين الذين شملهم الاستطلاع رأي إيجابي للغاية أو إيجابي إلى حد ما عن الصين. تظهر نتائج استطلاع المتابعة الذي أجري في مارس/أذار وأبريل/نيسان 2021 أن 65٪ من الجزائريين الذين شملهم الاستطلاع أفادوا بوجهة نظر إيجابية للغاية أو إيجابية إلى حد ما - وهي زيادة طفيفة إلى حد ما بالنظر إلى الدور الصيني في توفير اللقاح. على الرغم من أن علاقات الصين مع الجزائر تنمو منذ سنوات وتعززت من خلال مبادرة الحزام والطريق، إلا أن علاقتها وانخراطها مع الدول الأفريقية - بما في ذلك الجزائر - لا تزال مشحونة بالمشكلات.

التغيير متسق أيضا مع مَن شملهم الاستطلاع في المغرب. حيث أظهرت نتائج أكتوبر/تشرين الأول 2020 أن 55٪ ممن شملهم الاستطلاع ينظرون إلى الصين بشكل إيجابي للغاية أو إلى حد ما، وارتفعت هذه النسبة إلى 62٪ في استطلاع مارس/أذار وأبريل/نيسان 2021. في تونس أيضًا، زادت نسبة التأييد للصين بين من شملهم الاستطلاع من 53٪ في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 إلى 59٪ في مارس/أذار وأبريل/نيسان 2021. وبينما سعت الحكومتان المغربية والتونسية لجذب استثمارات أكبر من الصين، فقد واجهتا عقبات. ففي المغرب، واجهت اتفاقيات تصنيع اللقاح الصيني تأخيرات قبل الانطلاق. أما بالنسبة لتونس، فقد زودت الصين البلاد بجرعات لقاح كوفيد-19، لكن كلا البلدين لهما تاريخ من الانتكاسات في مجالات التعاون الأخرى، بما في ذلك استثمارات البنية التحتية.

فيما يتعلق بروسيا، الحليف الوثيق تاريخيًا للجزائر، لا سيما في مجال الأمن ومشتريات الأسلحة، فحظيت بتأييد بنسبة 52٪ بين الجزائريين الذين شملهم الاستطلاع في أكتوبر/تشرين الأول 2020. وكانت النسب المئوية في تونس والمغرب أقل، عند 43٪. أما في ليبيا، حيث يحتدم الصراع الداخلي منذ سنوات، وحيث تعتبر روسيا من خلال مجموعة فاغنر طرفًا في النزاع، فإن معدل المنظور الإيجابي لها هو الأدنى، إذ بلغ 25٪.

الولايات المتحدة

المشاعر تجاه الولايات المتحدة، الدولة التي لها بصمة تاريخية أكبر في المغرب العربي من روسيا أو الصين، هي أقل تفضيلًا بشكل ملحوظ. في أكتوبر/تشرين الأول 2020، كان لدى 24٪ من الجزائريين الذين شملهم الاستطلاع رأي إيجابي تجاه الولايات المتحدة. وفي عينة المغرب وتونس، بلغت نسبة تأييد الولايات المتحدة 28٪ و21٪ على التوالي. ثم أظهر استطلاع المتابعة الذي أجري في مارس/أذار وأبريل/نيسان 2021 تحسنًا في النظرة تجاه أمريكا بين التونسيين والجزائريين، حيث يرى 38٪ من التونسيين و31٪ من الجزائريين أن الولايات المتحدة أكثر تفضيلًا. قد يعكس هذا مواقف زيادة النظرة الإيجابية تجاه أمريكا بعد انتخاب الرئيس جو بايدن، مقارنةً بدونالد ترامب، الذي كانت تفضيله في البلدان المغاربية منخفضًا للغاية. كان التغيير في الموقف داخل عينة المغرب أكبر بكثير. إذ تحسنت هناك المواقف تجاه الولايات المتحدة بشكل كبير من 38٪ إلى 64٪، وهو على الأرجح جاء انعكاسًا لاعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

بالنسبة لتونس والمغرب، تقدم الولايات المتحدة مبالغ كبيرة من المساعدات الخارجية والاستثمارات مقارنة بالصين. من المحتمل أن تكون المواقف الإيجابية تجاه الصين أعلى بسبب التصور القائل بأن التدخل الصيني لا يعرّض سيادة أي بلد للخطر، ولا يُنظر إليه على أنه تدخل بالكيفية التي يُنظر بها أحيانًا إلى التدخل الأمريكي. في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، اعتبرت نسب أعلى من المغاربة والجزائريين والتونسيين الذين شملهم الاستطلاع أن التنمية الاقتصادية الأمريكية تشكل تهديدًا "خطيرًا" أو "مهمًا" لأمنهم القومي مقارنة بالتنمية الاقتصادية الصينية. من بين الذين شملهم الاستطلاع 64٪ من الجزائريين و61٪ من التونسيين و46٪ من المغاربة رأوا أن التنمية الاقتصادية الأمريكية تشكل تهديدًا مقارنة بـ 50٪ من الجزائريين و47٪ من التونسيين و40٪ من المغاربة الذين رأوا التوسع الاقتصادي للصين بالطريقة نفسها.

قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أظهرت نتائج أكتوبر/تشرين الأول 2020 تفضيلًا منخفضًا للسياسة الخارجية للرئيس ترامب آنذاك. من بين الذين شملهم الاستطلاع، كانت المشاعر تجاه سياسة ترامب الخارجية وتأثيرها على المنطقة العربية أقل إيجابية من تلك المشاعر تجاه الرئيس الصيني شي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فقط 12٪ من الجزائريين الذين شملهم الاستطلاع، و15٪ من المغاربة، و6٪ من التونسيين قالوا إن قرارات ترامب في السياسة الخارجية كانت "جيدة جدًا" أو "جيدة". وبالمقارنة، اعتبر 42٪ من المستطلعين في الجزائر، و39٪ في المغرب، و30٪ في تونس أن قرارات الرئيس شي بشأن السياسة الخارجية "جيدة جدًا" أو "جيدة" بالنسبة للعالم العربي، بينما قال 43٪ من الجزائريين، و32٪ من المغاربة، و33٪ من التونسيين الشيء نفسه بشأن قرارات السياسة الخارجية لبوتين.

وعلى الرغم من أن هذه الأرقام أعلى مقارنة بالمنظور الإيجابي تجاه الولايات المتحدة، إلا أنها جميعًا منخفضة نوعًا ما، مما يعزز فكرة أن تركيز الكثيرين في المنطقة ينصب على الديناميكيات والتطلعات المحلية بدلاً من دور أي جهة خارجية واحدة.

أوروبا

لم يتمكن الحلفاء الأوروبيون التقليديون، الذين لهم مصلحة مباشرة في استقرار بلدان المغرب العربي وازدهارها، وبالتالي لديهم علاقات أوثق كثيرًا، من دعم هذه البلدان أثناء الجائحة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى كفاحهم لتلبية احتياجاتهم الخاصة من المعدات الطبية واللقاحات.

على سبيل المثال، المشاعر العامة تجاه فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة في البلدان الثلاثة، متفاوتة وربما توفر انعكاسًا أكثر دقة لحالة العلاقات والتعاون مع الشركاء المغاربيين. من بين المغاربة الذين شملهم الاستطلاع في مارس/أذار وأبريل/نيسان 2021، كان لدى 59٪ وجهة نظر إيجابية تجاه فرنسا، مما يعكس تاريخًا طويلًا من التعاون والدعم بين الشريكين. هذا بالمقارنة مع 46٪ من التونسيين و32٪ فقط من الجزائريين الذين شملهم الاستطلاع، وهو ما يعكس علاقة الجزائر المشحونة تاريخيًا تجاه القوة الاستعمارية السابقة. في حالة المغرب وتونس، فإن هذه الأرقام ليست أقل بكثير من تلك الخاصة بالصين وروسيا.

ومن ثم، إذا كانت روسيا والصين تتطلعان إلى إحداث تأثير أكبر بين مواطني المنطقة المغاربية، فالواضح أن الطريق أمامهما طويل.

انتصار فقير كبيرة باحثين ومديرة برنامج شمال إفريقيا والساحل في معهد الشرق الأوسط.

عائشة سليمان هي باحثة مساعدة في برنامج شمال إفريقيا والساحل في معهد الشرق الأوسط وطالبة دراسات عليا بالسنة الثانية في برنامج ماجستير العلوم السياسية / العلاقات الدولية بجامعة فلوريدا.

الآراء الواردة في هذه المساهمة تعكس وجهة نظر الكاتبتين.