هذا المقال يأتي ضمن سلسلة من أربعة أجزاء نشرها معهد الشرق الأوسط بالتعاون مع الباروميتر العربي لتحليل نتائج الدورة السادسة من استطلاعات الباروميتر العربي.

تؤكد الدورة الأخيرة من استطلاعات الرأي العام التي أجراها الباروميتر العربي أن تدهور الاقتصاد - أو بشكل أكثر تحديدًا الانهيار المستمر في مستويات المعيشة - كان في طليعة أذهان الناس في تونس. قد يساعد فحص هذه الخلفية الاقتصادية في تفسير كيف ولماذا كانت هناك أرض خصبة لتحول سياسي هائل بمقدار القرارات التي أطلقها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو/تموز - والاستجابات الغزيرة في البداية تجاهه. كما أنها تسلط الضوء على العلاقة التي كثيرًا ما يتم تجاهلها بين الاقتصاد والديمقراطية. إذا كانت الديمقراطية تتعلق فقط بالانتخابات - وهو نهج الحد الأدنى الذي يطبقه غالبًا علماء السياسة الذين يفحصون تونس - فإن صيغة الديمقراطية هذه قد فشلت باستمرار في الإتيان بمسؤولين حكوميين لديهم الاستعداد أو القدرة على معالجة الأزمة الاقتصادية في تونس. لكن اتباع نهج مختلف للديمقراطية، وهو الذي لا يعطي الأولوية للمساواة السياسية في صناديق الاقتراع فحسب، بل يهتم بتطبيق شكل من أشكال المساواة الاقتصادية، ربما يكون أكثر ملاءمة لتحقيق التطلعات الديمقراطية للتونسيين.

تغطي الدورة السادسة من استطلاعات الباروميتر العربي، التي أجريت بين يوليو/تموز 2020 وأبريل/نيسان 2021، سبع دول - تونس والجزائر وليبيا والمغرب والأردن والعراق ولبنان - وهي مفيدة للدراسات المقارنة. تستند الاستطلاعات أيضًا إلى الدراسات السابقة من تونس، مما يسمح ببعض المقارنات التاريخية. هناك، بالطبع، حدود للمقاربات المقارنة على أسس إثنية أو لغوية أو تلك المتعلقة بالهوية (كيفما كان تعريفك لمفهوم "عربي")، لأنها قد تبرز الطابع الاستثنائي المتصور للدول العربية. يمكن للمرء أن يتصوَّر الاتجاهات العالمية الأوسع أو تلك المرتبطة بالتقارب والتباعد الجغرافي - على سبيل المثال الاتجاهات فيما بين القارات أو داخلها - التي يمكن دراستها إذا شملت هذه المسوحات كل من شمال إفريقيا وجنوب أوروبا، أو شمال إفريقيا وبقية إفريقيا على التوالي.

أين تتفرد تونس؟

غير أنه بقدر ما توفر لنا الدورة الأخيرة من الاستطلاعات بعض الأساس للمقارنة، أين يمكن أن نجد تفردًا لتونس بالمقارنة بغيرها من الدول المستطلع رأيها؟ فإلى جانب اللبنانيين، نجد أن التونسيين، أكثر بكثير من مواطني الدول العربية الأخرى التي شملها الاستطلاع، يرون أن القضايا الاقتصادية هي الأكثر إلحاحًا. أشار أكثر من نصف المستجيبين التونسيين و64٪ من اللبنانيين إلى الوضع الاقتصادي باعتباره "التحدي الأهم الذي يواجه بلدهم اليوم"، في استطلاع أُجري في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. للمقارنة مع البلدان المجاورة لتونس، 28٪ فقط من الجزائريين و19٪ من الليبيين وضعوا المظالم الاقتصادية أولاً. كما سجلت كل من تونس ولبنان أعلى نسبة من المستطلعين الذين أشاروا إلى الفساد كقضية رئيسية - 18٪ و17٪ على التوالي. في الوقت نفسه، وعلى عكس أي من البلدان الأخرى التي شملها الاستطلاع، قالت أغلبية في كل من تونس ولبنان إن حكومتيهما لا تفعل شيئًا على الإطلاق أو تعمل على نطاق ضئيل "للقضاء على الفساد".

أوجه الشبه بين تونس ولبنان من حيث التصور الشعبي للقضايا الاقتصادية لا تتوقف عند هذا الحد. عندما سُئل التونسيون واللبنانيون عن الكيفية التي ينبغي أن تُحسِّن بها حكومتهم الظروف الاقتصادية، طالبوا مرة أخرى، أكثر بكثير من البلدان الأخرى التي شملها الاستطلاع، بخفض تكاليف المعيشة (27٪ و40٪ على التوالي). ومع ذلك، فإن التونسيين واللبنانيين ليس لديهم أي ثقة في حكوماتهما أنها قادرة على عمل أي شيء فعليًا، حيث قال نصف التونسيين و85٪ من اللبنانيين الذين شملهم الاستطلاع إنهم "لا يثقون على الإطلاق" في حكوماتهم.

هذا التشابه في التصورات بين التونسيين واللبنانيين فيما يتعلق بقضاياهم الاقتصادية لافت للنظر عند مقارنته بكيفية وصف اقتصاداتهم من قِبَل المراقبين الخارجيين. ففي حين حذر البنك الدولي في بيان صحفي صدر في يونيو/حزيران من أن الأزمة الاقتصادية في لبنان كانت واحدة من "أكثر الأزمات حدة على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر"، فإن أحدث بياناته الصحفية حول تونس يلتزم بالقصص الإيجابية حول التمويل المصرفي من أجل تعزيز "شبكات الأمان الاجتماعي" وإطلاق برنامج التطعيم (لم يتم تحديد ما إذا كان هذا التمويل عبارة عن قروض أو منح). من المؤكد أن صفحة البنك الدولي الخاصة بـ"العرض العام" بشأن تونس، اعتبارًا من تحديثها في 21 يونيو/حزيران 2021 على الموقع، تشير في النهاية إلى أن تونس تشهد "تراجعًا أكثر حدة في معدل نموها الاقتصادي بالمقارنة مع معظم البلدان المماثلة في المنطقة"؛ لكن العرض العام يبدأ بتسليط الضوء على الإصلاحات السياسة التي ظل البنك يدعمها لسنوات، إن لم يكن لعقود ألا وهي: خفض الدعم والتخلي عن المؤسسات المملوكة للدولة.

كيف يمكن إعطاء الأولوية لخفض الدعم - كما فعلت الحكومة التونسية في يونيو/حزيران - للاستجابة للمظالم الاقتصادية الواسعة الانتشار التي عبر عنها التونسيون في الاستطلاع؟ لقد نفَّذت الحكومات التونسية المتعاقبة إصلاحات في العقد الماضي بما يتماشى مع العقيدة النيوليبرالية التي ينادي بها دائنو تونس: تخفيض الإعانات؛ وإقرار قانون استثمار جديد ملائم للأعمال و"الشركات الناشئةوقانون استقلال البنك المركزي، وتخفيض قيمة العملة كجزء من جهود التحول الليبرالي. ومع ذلك، على الرغم من كل هذه الإصلاحات، لا تزال تونس تشهد ارتفاعًا في نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة البطالة وارتفاع معدلات التضخم واستمرار العجز التجاري الذي كان لها جميعًا آثار سلبية مباشرة أو غير مباشرة على مستوى معيشة المواطن العادي. حتى إنه مع انخفاض الإنفاق العام والأجور الحقيقية، تساءل البعض أيضًا كيف يمكن للدولة تحمل تكلفة الغاز المسيل للدموع - الذي استخدمته السلطات بشكل مفرط في الأحياء السكنية – بينما لم تستطع توفير الأكسجين للمستشفيات.

وبينما يواجه لبنان بوضوح أزمة اقتصادية ذات عواقب مميتة، هناك بعض القضايا التي غطتها الجولة الأخيرة من استطلاعات الباروميتر العربي التي قالت فيها نسبة أعلى من التونسيين عن اللبنانيين إنهم عانوا من البؤس الاقتصادي: فيما يتعلق بأن دخلهم لا يغطي احتياجاتهم، وفيما يتعلق بالبطالة وعدد العاطلين عن العمل الذين تخلوا عن البحث عن عمل. قال 64٪ من التونسيين إن صافي دخل أسرهم لا يغطي نفقاتهم، وهو أقل بقليل من 68٪ في الأردن، ولكنه أعلى من 62٪ في لبنان. وإذا ما نحينا جانبًا عدسة المقارنة الإقليمية لصالح عدسة المقارنة التاريخية، فسنجد أن الاستطلاعات تشير أيضًا إلى أن الأمور تزداد سوءًا. إذ وجدت دراسة استقصائية أجريت في مارس 2021 أن 6٪ فقط من التونسيين قالوا إن الوضع الاقتصادي الحالي "جيد" أو "جيد جدًا". في عام 2018، كان هذا الرقم 7٪. في عام 2016: 14٪؛ في 2011: 27٪.

الديمقراطية والاقتصاد

كيف يمكن ربط هذه المظالم الاقتصادية بالديمقراطية؟ لقد سألت الاستطلاعات التونسيين أيضًا عن مدى أهمية توفير الضروريات المادية الأساسية للجميع مثل الطعام والمأوى والملبس للديمقراطية. فأجاب 46%​​ أن مثل هذه المستلزمات المادية "ضرورية للغاية" للديمقراطية، وقال 28% أخرى إنها ضرورية إلى حد ما. أدى ذلك بالباحثين في الباروميتر العربي إلى استنتاج أن التونسيين "يعرّفون الديمقراطية بالنتائج الاقتصادية المرتبة عليها".

حتى الآن، فشلت الديمقراطية البرلمانية الانتخابية على ما يبدو في تحقيق هذه النتائج الاقتصادية. ومع ذلك، وبالنظر إلى الاختيار من بين ثلاث إجابات بخصوص رأيهم في الديمقراطية، اختار 55٪ من التونسيين ما يلي في استطلاع أجري في نوفمبر/تشرين الثاني: "الديمقراطية هي الأفضل دائمًا على أي نوع آخر من الحكومات". اختار 24٪ فقط الخيار: "في بعض الظروف، يمكن أن تكون الحكومة غير الديمقراطية هي الأفضل"، فيما قال 13٪ آخرون أن نوع الحكومة لا يهمهم. وهكذا فإن تحديد شكل الديمقراطية التونسية لم ينته بدستور 2014، حيث تستمر المناقشات حتى يومنا هذا، وهناك مؤشرات على أن ضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية سيكون جزءًا لا يتجزأ من شكل الديمقراطية المرجوة.

فاضل علي رضا هو مؤسس ورئيس تحرير موقع meshal.org، وهو موقع إخباري مستقل باللغتين الإنجليزية والعربية يغطي الشأن التونسي، وهو أيضًا باحث غير مقيم في برنامج شمال إفريقيا ومنطقة الساحل بمعهد الشرق الأوسط. الآراء الواردة في هذه المساهمة تعكس وجهة نظر الكاتب.