ما يحدث في ليبيا ينال دائمًا اهتمام الحكومة المصرية بنفس مقدار اهتمامها بالشؤون الداخلية المصرية. هذا الاهتمام ينبع من عدة أسباب، أهمها تلك المتعلقة بالأمن والنفوذ الإقليمي والاقتصاد.

فيما يتعلق بالأمن، تشترك مصر وليبيا في حوالي 1700 كيلومتر من الحدود المليئة بالثغرات، والتي يمكن للأشخاص والأسلحة عبورها بسهولة نسبية. لقد حددت مصر بدقة المتطرفين في شمال سيناء الذين كانت لهم صلات مباشرة بالجماعات ومعسكرات التدريب الليبية، وبالتالي فقد راقبت باستمرار التطورات السياسية والأمنية الليبية. أما فيما يتعلق بالنفوذ الإقليمي، فقد استخدمت دول مختلفة ليبيا كحلبة مصارعة شاملة على مدى العقد الماضي في صراع على السلطة والنفوذ. وظلت مصر تراقب تركيا عن كثب بشكل خاص، وهذا الصراع الدائر بلا هوادة على السلطة في ليبيا أدى إلى بعض الأعمال التصعيدية المثيرة للقلق في العام الماضي.

أما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فقد شهد قيام مصر بجهود جادة ومتواصلة. والجائزة الكبرى، بالطبع، هي إعادة إعمار ليبيا واستئناف عقود العمل التي ضمنت سابقًا العمل لنحو مليون مصري – وجعلهم المصدر الرئيسي للعمالة المهاجرة في ليبيا. لقد نجم عن الأزمة في ليبيا أن مصر فجأة أصبحت في حاجة إلى التعامل مع ما يقدر بنحو 800 ألف عائد أغرقوا سوق العمل، بالإضافة إلى خسارة مليارات الدولار في العقود التي كانت تعمل عليها شركات مصرية من القطاع العام والخاص.

والآن يبدو أن الجهود الدبلوماسية لمصر باتت تؤتي ثمارها. فقد زار رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة مصر الأسبوع الماضي لحضور اجتماعات لجان رفيعة المستوى تعقد للمرة الأولى منذ 12 عامًا. وبعد وقت قصير من زيارته، أعلنت الحكومة الليبية أن سلطات الطيران المدني في البلدين وافقت على استئناف الرحلات الجوية بين مطار القاهرة الدولي وثلاثة مطارات ليبية: معيتيقة ومصراتة وبنينا. وفي الأسبوع الذي سبقه، صرح وزير الاقتصاد الليبي سلامة الغويل لصحيفة "أموال الغد" المصرية أنه قد تم توقيع 13 مذكرة تفاهم، تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات. وأشار أيضًا إلى أن البنوك المصرية ستقود جهود التمويل لإعادة الإعمار وأن الشركات المصرية ستتولى الجزء الأكبر من العمل، ومن بينها شركة السويدي اليكرتيك، التي شكلت وحدها 30% من إجمالي قيمة التعاقدات.

والأهم من ذلك بالنسبة لمصر، التي كانت تعاني من البطالة، كما أفادت الوطن، فإن إعادة إعمار ليبيا سيكون جهدًا على عدة مراحل، وبينما مشروعات الإسكان والاتصالات والتعليم كلها على القائمة، فإن المرحلة الأولى ستركز على أعمال البنية التحتية، والتي ستوفر العمل لمليون عامل مصري وهذا أمر مهم للغاية.

كما انتعشت التجارة المتبادلة بين البلدين بالفعل، حيث زادت بنسبة 43% خلال الربع الأول من عام 2021 مقارنة بالربع الأول من عام 2020.

وفي حين أن إعادة الأعمار في ليبيا تمثل أخبارًا جيدة للجميع، لكنها أخبار بالغة الأهمية بالنسبة لمصر، التي لديها تحدياتها مع كل من الاستثمار الأجنبي المباشر والنمو المحلي. تم تعزيز التوظيف إلى حد كبير من خلال المشاريع الوطنية والإنفاق الحكومي، ولكن على الرغم من بعض الجهود المثيرة للإعجاب من اجل التخفيف من آثار الجائحة، فقد أدت تلك الآثار المروعة إلى انخفاض تلك الأرقام، وأنه من غير المرجح أن تكون الحكومة قادرة على إنفاق مبالغ مماثلة في المستقبل المنظور. وبينما تمثل الأموال شريان الحياة المالي للحكومة، فإنها تساعد أيضًا في تعزيز النفوذ الإقليمي الذي كان دائمًا جزءًا من الحسابات المصرية بشأن ليبيا.