لقد كان يوم الأحد 27 يونيو/حزيران يومًا احتفاليًا في بغداد. حيث كانت المرة الأخيرة التي استقبل فيها العراقيون رئيسًا مصريًا قبل 30 عامًا. وقتها كانت المنطقة تستعد للحرب في أجواء يُخيِّم عليها عدم اليقين حين كان الرئيس الراحل حسني مبارك يتنقل بين بغداد وعواصم الخليج قبل غزو صدام حسين للكويت في 1990. غير أن الظروف اختلفت تمامًا الآن في 27 يونيو/حزيران الحالي، عندما تلقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني استقبالًا حافلًا بالسجادة الحمراء في قمة ثلاثية بمناسبة الاجتماع الرابع بين قادة الدول الثلاث بهدف تشكيل تحالف إقليمي جديد.

سياسيًا، تعد هذه تجربة أخرى في تكوين شراكات إقليمية جديدة. إذ تواجه مراكز القوة التقليدية مثل القاهرة وعُمان واقع فقدانها مكانتها في القضايا الرئيسية أمام لاعبين آخرين مثل أبو ظبي والرياض، الذين نجحوا في تحويل ثرواتهم الهائلة وعلاقاتهم الدولية بعيدة المدى إلى تأثير سياسي وأمني.

القيود المحلية والإقليمية

على الرغم من استمرار تمسك الأردن بالرعاية التاريخية للقدس ودور الوسيط في عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلا أن إدارة ترامب همَّشت عمَّان إلى حد كبير فيما يتعلق بالاتفاقيات الإبراهيمية. وكان قرارها بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بمثابة الصفعة على الوجه. كما يشعر الأردن أيضًا بالتكلفة الاقتصادية للعزلة من قِبَل دول الخليج، إلى جانب الوضع المالي السيئ في الداخل، أدى ذلك كله إلى تزايد الغضب والاحتجاجات الشعبية.

كذلك القاهرة، التي لطالما نصبت نفسها زعيمة للعالم العربي ومركز ثقَل بين فرعيه الأسيوي والإفريقي، تجد نفسها بشكل متزايد في المقعد الخلفي في مختلف القضايا العربية ذات الأهمية، مثل سوريا وليبيا واليمن. وقد دفعها ذلك إلى ممارسة دور أكثر نشاطًا في الوساطة في غزة لإثبات أنها لا تزال مهمة، وذلك بالمساعدة في التوسط في وقف إطلاق النار في مايو/أيار الماضي بين حماس وإسرائيل ثم تعزيز هذه الهدنة بعد ذلك. وربما التحالف الثلاثي الجديد مع الأردن والعراق يساعد مصر على الأقل لإحياء صورتها ولو محليًا كصاحبة دور القيادة الإقليمي.

بغداد، في المقابل، ظلت لفترة طويلة جدًا يُنظَر إليها باعتبارها خارج الحظيرة العربية ما يجعلها غير قادرة على تقديم نفسها بشكل مماثل للدولتين الأخريين، حيث اتخذت موقعًا كمجرد مشاهد منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، إن لم يكن قبل ذلك. بالنسبة للولايات المتحدة والدول العربية الأخرى، يعتبر التجمع الثلاثي محاولة مرحب بها لموازنة أو حتى مواجهة النفوذ الإيراني في العراق. على الرغم من ترحيب العراقيين بالمبادرات التي تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي وأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب، إلا أن المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي المُعقَّد في البلاد لا يزال يمثل عقبة كبيرة. فالمقربون من إيران يرون بالفعل التجمع الجديد كصنيعة أمريكية، بل حتى يختصرونه كمجرد محاولة لجر العراق نحو التطبيع مع إسرائيل.

يخشى الشعب العراقي من أن يكون هو الطرف الخاسر. فهم لا يثقون بأن ساستهم يتخذون قرارات سليمة اقتصاديًا في مواجهة المصالح السياسية الإقليمية، وهناك سوابق لذلك. يعتمد العراق على إيران كمورد وحيد للغاز والطاقة، ويوفر للأردن خصمًا قدره 16 دولارًا للبرميل على شحنات النفط، ويخطط للتبرع بالوقود للبنان بناءً على سعر الصرف البالغ 1500 ليرة لبنانية/دولار أمريكي في حين أن الليرة قد انهارت إلى ما يقرب من 15000 ليرة/دولار في السوق السوداء.

نظريًا، وكجزء من التحالف الجديد، من المتوقع أن تعتمد بغداد على مواردها الضخمة من النفط والغاز لتدفع مقابل "الاستثمارات" و"الموارد بشرية" من مصر والأردن. وفي مرحلة ما، تم تسويق استثمارات الأردن ومصر كبديل لاتفاقية النفط مقابل الإعمار العراقية مع الصين بقيمة 10 مليار دولار.

لكن من أين سيأتي المال؟

صُدِمَ السياسيون في بغداد من التوسع السريع للإعمار في مصر، والذي ساعد في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% في عامي 2018 و2019، قبل تفشي جائحة كوفيد. القاهرة، التي تعتمد إلى حد كبير على الديون، عليها ديون الآن لصندوق النقد الدولي بمبلغ 19 مليار دولار، وهو ثاني أكبر مبلغ دين بعد الأرجنتين. من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في مصر إلى 93%. حتى مع ارتفاع أسعار النفط، لا تزال ميزانية الدولة العراقية جامدة ومثقلة بنفقاتها الجارية الضخمة، عند 77%، مما يعني أنه لم يتبق سوى القليل من الأموال للإنفاق على الإعمار والبنية التحتية. ويقدر البنك الدولي أيضًا أن إجمالي الدين الحكومي قد وصل إلى ما يقرب من 71% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.

أما الأردن فقد اقترض للتو 1.45 مليار دولار من البنك الدولي في يونيو/حزيران "لتحفيز النمو الشامل وخلق المزيد من فرص العمل". هذا علاوة على 1.3 مليار دولار أخرى تمت الموافقة عليها قبل عام من قِبَل صندوق النقد الدولي، والذي يتوقع أن البطالة "سترتفع إلى مستوى قياسي يبلغ 24.7%". ومع الأخذ في الاعتبار ممتلكات الضمان الاجتماعي، يقدر البنك الدولي أن ديون الأردن وصلت إلى 106% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي. من ثم، فلا توجد دولة من الدول الثلاث في وضع يمكنها من الاقتراض أكثر دون المخاطرة بمزيد من المعاناة الاقتصادية.

وهذا يترك علامة استفهام كبيرة حول كيفية تمويل المشاريع التي تخطط لها حكومات هذا التحالف. فهناك خط أنابيب النفط الذي يمتد من البصرة إلى العقبة، والذي يتم التخطيط له منذ عشر سنوات على الأقل، ومن المتوقع أن تبلغ تكلفته 18 مليار دولار إذا تم تضمين سوريا في المخطط. كذا فإن إضافة خطط لإحياء خط الغاز العربي القديم من شأنه أن يرفع من هذا التكلفة أكثر لتبلغ قيمتها رقمًا فلكيًا. علاوة على ذلك، تريد مصر بيع الكهرباء للعراق والأردن؛ بينما خطوط نقل الجهد العالي باهظة الثمن.

ولكن ماذا عن الاستثمار الخاص؟ القطاع الخاص العراقي ناشئ ويعتمد على الإنفاق الحكومي. بالنظر فقط إلى احتياجات بغداد، على عكس الشركات الحكومية الصينية المتميزة، من المتوقع أن يعتمد المقاولون الأردنيون والمصريون بشكل كبير على الأموال العراقية لتمويل مشاريع البنية التحتية. وحتى إذا تمكنت هذه الشركات من جمع التمويل الذي تحتاجه، فإن الحكومة العراقية في نهاية المطاف ستدفع الفاتورة بالكامل إما نقدًا أو نفطًا. وهذا خاصة يمثل مشكلة بالنسبة للمشاريع التي لا تستطيع فيها بغداد استرداد الأموال التي أنفقتها على أي حال – وهنا مثال رئيسي هو قطاع الطاقة، حيث لا يتم بالكامل تقريبًا تحصيل الفواتير.

كما سيكون من الصعب على السياسيين في بغداد الترويج لتحالف من شأنه أن يخلق فرص عمل لغير العراقيين بالنظر إلى مشاكل البلاد الخاصة على تلك الجبهة. ففي يونيو/حزيران، وتحت ضغط شعبي، قامت بغداد بترحيل آلاف العمال الأجانب. كذلك فقد كانت المطالبات بالتوظيف حاضرة في لُبّ الاحتجاجات التي سادت البلاد في 2019. وارتفع معدل البطالة في العراق إلى 27% ومعدل الفقر الآن يبلغ 25%.

استجابة محتملة على مبادرة الحزام والطريق الصينية في الشرق الأوسط

حقيقة الأمر أن المشرق الجديد ليس ابتكارًا عراقيًا صرفًا – على الرغم من بعض المزاعم الأخيرة في بغداد – ولكن التصور الأول للفكرة كان أمريكيًا. فقد أعقب القمة الأولى للمبادرة في القاهرة بحث نشرته مؤسسة راند (Rand) يدعو إلى اتفاقية تجارة حرة بين مختلف دول المشرق. وقالت راند إن التجمع الثلاثي "يمكن أن يوفر الخطوات الأولى نحو تحقيق فوائد التكامل الاقتصادي في بلاد الشام". وقدر التقرير أن الفوائد الاقتصادية المصاحبة يمكن أن تصل إلى 3-7% إضافية من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط.

مع تكثيف الصين لمشاركتها على الصعيد العالمي من خلال مبادرة الحزام والطريق التي تبلغ تكلفتها عدة تريليونات من الدولارات، وهي تكتسح بشكل مطرد منطقة الشرق الأوسط، تدعو الولايات المتحدة وشركاءها الأعضاء في مجموعة السبع (G7) إلى مبادرة منافسة تسمى "إعادة بناء عالم أفضل" (B3W). فإذا كانت الفوائد السياسية للغرب من المشرق الجديد تفوق العبء المالي، فعندئذ فقط سيؤدي ضخ مليارات الدولارات إلى جعل هذا المشروع معقولًا من الناحية الاقتصادية. ولكن لكي يحدث ذلك، تحتاج الدول الثلاث إلى تحسين سجلات الشفافية ومكافحة الفساد والإنفاق الحكومي الرشيد.

يسار المالكي خبير اقتصادي ومستشار في مجال الطاقة لديه معرفة واسعة بالموضوعات المتشابكة المتعلقة بالطاقة والجغرافيا السياسية والاقتصاد في المنطقة. وهو أيضًا باحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط. الآراء الواردة في هذا المقال هي آراؤه الشخصية.

Read in English